محمد جواد مغنية
586
عقليات إسلامية
ذكر الإمام للعالم علامتين : الأولى : أن يبدي آراءه وأحكامه على سبيل التقريب ، ويتوقع الخطأ من نفسه ، ويتقبل النقد برحابة صدر . . ولا حظت وأنا أقرأ وأتتبع أقوال العلماء أن الإنسان كلما اتسعت آفاقه وكثر علمه ضاق تعصبه ، أو تلاشى من الأساس ، ويتورع عن كلمة « هذا هو الحق دون سواه » . ويقول : ربما كان أو قد يكون الأمر كذلك . . وبقدر ما يقل علمه ويكثر جهله يزداد إصرارا على رأيه وتعصبا لقوله . العلامة الثانية : « علمه بحائق فنون النظر » أي معرفته بأنواع الحقائق والتحديد الكامل لكل حقيقة ، والطريق إلى معرفتها ، فيستدل على الحقيقة الدينية بنصوص الكتاب والسنة ، وعلى الحقيقة الطبيعية بالمشاهدة والتجربة وعلى الحقيقة الفلسفية بالرؤية الذهنية ، وهكذا . . . وقد تخفى عليه الحقيقة ، ولا يبصر طريقها ولو تابع النظر . . وعندئذ عليه أن يمسك ويتورع عن الحكم وإبداء الرأي وإلا أصيبت مقاتله . وقال واعظ حكيم : ان قلت : لا أدري علموك ، وان قلت : أدري فضحوك . الحس والعقل : « دراسة العلم لقاح المعرفة ؛ وطول التجارب زيادة في العقل » . قال بعض القدامى : الفرق بين المعرفة والعلم أن المعرفة أخص بالمحسوسات والمعاني الجزئية ، والعلم أخص بالمعقولات والمعاني الكلية ، ولذا يقال : الباري يعلم ، ولا يقال : الباري يعرف . . . وذهب آخرون منهم إلى العكس وقالوا : العلم إدراك الجزئيات في حركتها وسيرها وقوانينها . والمعرفة إدراك الكليات والحقائق النهائية . أما الجدد القائلون بالوضعية المنطقية فإنهم ينكرون التعميمات الكلية من الأساس لأنها لا تعتمد على الحس والتجربة